سورة الشورى - تفسير تفسير البغوي

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
تفسير السورة  
الصفحة الرئيسية > القرآن الكريم > تفسير السورة   (الشورى)


        


قوله عز وجل: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: حفي بهم. قال عكرمة: بار بهم. قال السدي: رفيق. قال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر حيث لم يهلكهم جوعًا بمعاصيهم، يدل عليه: قوله: {يرزق من يشاء} [البقرة- 212]، وكل من رزقه الله من مؤمن وكافر وذي روح فهو ممن يشاء الله أن يرزقه. قال جعفر الصادق: اللطف في الرزق من وجهين: أحدهما: أنه جعل رزقك من الطيبات، والثاني: أنه لم يدفعه إليك بمرة واحدة. {وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ}. {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ} الحرث في اللغة: الكسب، يعني: من كان يريد بعمله الآخرة، {نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} بالتضعيف بالواحد عشرة إلى ما شاء الله من الزيادة، {وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا} يريد بعمله الدنيا، {نُؤْتِهِ مِنْهَا} قال قتادة: أي: نؤته بقدر ما قسم الله له، كما قال: {عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} [الإسراء- 18]. {وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} لأنه لم يعمل للآخرة.
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو طاهر الزيادي، أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال، حدثنا أبو الأزهر أحمد بن منيع العبدي، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي، حدثنا سفيان عن المغيرة عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بشرت هذه الأمة بالسنا والرفعة والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب».


قوله عز وجل: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} يعني كفار مكة، يقول: أم لهم آلهة سنوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟
قال ابن عباس رضي الله عنهما: شرعوا لهم دينًا غير دين الإسلام.
{وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ} لولا أن الله حكم في كلمة الفصل بين الخلق بتأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة، حيث قال: {بل الساعة موعدهم} [القمر- 46]، {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} لفرغ من عذاب الذين يكذبونك في الدنيا، {وَإِنَّ الظَّالِمِينَ} المشركين، {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الآخرة.
{تَرَى الظَّالِمِينَ} المشركين يوم القيامة، {مُشْفِقِينَ} وجلين، {مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ} جزاء كسبهم واقع بهم، {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}.
{ذَلِكَ الَّذِي} ذكرت من نعيم الجنة، {يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} فإنهم أهله، {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}.
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت طاووسًا عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه سئل عن قوله: {إلا المودة في القربى}، قال سعيد بن جبير: قربى آل محمد صلى الله عليه وسلم، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: عجلت، إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة.
وكذلك روى الشعبي وطاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: {إلا المودة في القربى} يعني: أن تحفظوا قرابتي وتودوتي وتصلوا رحمي. وإليه ذهب مجاهد، وقتادة، وعكرمة، ومقاتل، والسدي، والضحاك، رضي الله عنهم.
وقال عكرمة: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجرًا إلا أن تحفظوني في قرابتي بيني وبينكم، وليس كما يقول الكذابون.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس في معنى الآية: إلا أن تودوا الله وتتقربوا إليه بطاعته، وهذا قول الحسن، قال: هو القربى إلى الله، يقول: إلا التقرب إلى الله والتودد إليه بالطاعة والعمل الصالح.
وقال بعضهم: معناه إلا أن تودوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم، وهو قول سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب.
واختلفوا في قرابته قيل: هم فاطمة وعلي وأبناؤهما، وفيهم نزل: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} [الأحزاب- 33].
وروينا عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي»، قيل لزيد بن أرقم: من أهل بيته؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس.
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا خالد، حدثنا شعبة عن واقد قال: سمعت أبي يحدث عن ابن عمر عن أبي بكر قال: ارقبوا محمدًا في أهل بيته.
وقيل: هم الذين تحرم عليهم الصدقة من أقاربه ويقسم فيهم الخمس، وهم بنو هاشم، وبنو المطلب، الذين لم يتفرقوا في جاهلية ولا في إسلام.
وقال قوم: هذه الآية منسوخة وإنما نزلت بمكة، وكان المشركون يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية فأمرهم فيها بمودة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلة رحمه، فلما هاجر إلى المدينة وآواه الأنصار ونصروه أحب الله عز وجل أن يلحقه بإخوانه من الأنبياء عليهم السلام حيث قالوا: {وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين} [الشعراء- 109] فأنزل الله تعالى: {قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله}، فهي منسوخة بهذه الآية، وبقوله: {قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين} [الزمر- 86]، وغيرها من الآيات. وإلى هذا ذهب الضحاك بن مزاحم، والحسين بن الفضل.
وهذا قول غير مرضي؛ لأن مودة النبي صلى الله عليه وسلم وكف الأذى عنه ومودة أقاربه، والتقرب إلى الله بالطاعة، والعمل الصالح من فرائض الدين، وهذه أقاويل السلف في معنى الآية، فلا يجوز المصير إلى نسخ شيء من هذه الأشياء.
وقوله: {إلا المودة في القربى}، ليس باستثناء متصل بالأول حتى يكون ذلك أجرًا في مقابلة أداء الرسالة، بل هو منقطع، ومعناه: ولكني أذكركم المودة في القربى وأذكركم قرابتي منكم، كما روينا في حديث زيد بن أرقم: «أذكركم الله في أهل بيتي».
قوله عز وجل: {وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نزدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا} أي: من يزد طاعة نزد له فيها حسنًا بالتضعيف، {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} للذنوب، {شَكُورٌ} للقليل حتى يضاعفها.


{أَمْ يَقُولُونَ} بل يقولون يعني: كفار مكة، {افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ} قال مجاهد: يربط على قلبك بالصبر حتى لا يشق عليك أذاهم، وقولهم إنه مفتر، قال قتادة: يعني يطبع على قلبك فينسيك القرآن وما أتاك، فأخبرهم أنه لو افترى على الله لفعل به ما أخبر عنه في هذه الآية، ثم ابتدأ فقال: {وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ} قال الكسائي: فيه تقديم وتأخير مجازه: والله يمحو الباطل. وهو في محل رفع، ولكنه حذف منه الواو في المصحف على اللفظ كما حذفت من قوله: {ويدع الإنسان} [الإسراء- 11] و{سندع الزبانية} [العلق- 18]، أخبر أن ما يقولونه باطل يمحوه الله، {وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} أي: الإسلام بما أنزل من كتابه، وقد فعل الله ذلك فمحا باطلهم وأعلى كلمة الإسلام، {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} قال ابن عباس: لما نزلت: {قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى}، وقع في قلوب قوم منها شيء وقالوا يريد أن يحثنا على أقاربه من بعده، فنزل جبريل فأخبره أنهم اتهموه وأنزل هذه الآية، فقال القوم: يا رسول الله فإنا نشهد أنك صادق؟ فنزل: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ}.

1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6